التباين والانتخاب وتطور الطبيعة والمجتمع
(بقلم البروفيسور مازن قمصية)
تُعد فكرة "التباين والانتخاب" واحدة
من أقوى الأفكار العلمية وأبسطها في آن واحد: فالأشياء تتغير، والبيئة المتغيرة
والمعقدة هي التي تحدد أيّاً من هذه التغيرات سيستمر ويبقى. وفي علم الأحياء، يمثل
هذا الأمر المحرك الأساسي للتطور، ويمكننا استخلاص دروس منه لفهم الوتيرة
المتسارعة للتطور الاجتماعي وتغير النماذج الفكرية السائدة. تتباين الكائنات الحية
من جيل إلى آخر، وتنتقل بعض سمات هذا التباين عبر الأجيال، بينما تعمل البيئة
بمثابة "مصفاة"؛ فالسمات التي تساعد الكائن الحي على البقاء والتكاثر
تميل إلى الانتشار، في حين تميل السمات الضارة إلى التلاشي. ومع مرور الوقت
الكافي، يمكن للتباين والانتخاب -عندما يعملان معاً- أن يعيدا تشكيل المجتمعات
بأكملها؛ وهي العملية التي أدت إلى نشوء التعقيد البيولوجي والتنوع الحيوي الذي
نراه من حولنا. وتُعد الطفرات الجينية أحد المصادر الرئيسية لالتباين؛ ففي كل مرة
تُنسخ فيها المادة الوراثية، تحدث أخطاء صغيرة. وتُظهر أبحاثي أيضاً أن الأنواع
التي تنجح في البقاء ضمن بيئة متغيرة تنتج قدراً أكبر من التباين، مما يمنح نسلها
فرصاً أوسع للبقاء؛ فالذئاب، على سبيل المثال، تمتلك عدداً كبيراً من الكروموسومات
مما يتيح قدراً أكبر من التباين، ولهذا السبب أمكن استئناسها بسرعة وإنتاج التنوع
المذهل في سلالات الكلاب التي نراها اليوم، وينطبق الأمر ذاته على الأبقار
والأغنام. إن معظم التغيرات الجينية لا تُحدث تأثيراً يُذكر أو لا تُحدث أي تأثير
على الإطلاق، وبعضها يكون ضاراً، بينما يبقى المفيد منها في بيئة معينة. وهذا
متغير مع البيئة فالسمة التي تُعد ميزة اليوم قد تصبح محايدة، أو حتى عبئاً، بمجرد
تغير الظروف.
الانتخاب الطبيعي يعمل بناءً على التباين
الموجود ولا يوجد كائن حي يختار أن يتطور. فالأمر أبسط من ذلك بكثير: الأفراد
الذين تتميز سماتهم بكونها ملائمة لظروفهم يميلون إلى البقاء والتكاثر بمعدلات
أعلى قليلاً، ويرث نسلهم تلك السمات، مما يجعلها أكثر شيوعاً بمرور الوقت. وعند
تكرار هذه العملية عبر الأجيال تتغير الكائنات الحية وتتنوع . قد يميل المرء إلى اعتبار هذه العملية مسيرة
نحو الكمال، لكن الواقع مختلف؛ فالتطور لا يهدف إلى خلق كائنات مثالية، ولا يسعى بالضرورة
نحو التعقيد. إن ما ينتجه التطور هو كائنات حية ملائمة بما يكفي لمكان وزمان
محددين - لا أكثر من ذلك - ولا يوجد خط نهاية تسعى العملية للوصول إليه. ومع ذلك،
يظل التباين أساسيا وتظل معدلات الطفرات مستمرة. ولهذا السبب، على سبيل المثال،
نجد أن نحو 2% من أفراد جنسنا البشري يعانون من طفرات ومشكلات تتراوح بين
الثلاسيميا ومتلازمة داون ومئات الأنواع من الامراض الوراثية الأخرى.
يكمن أحد أسباب تشجيع التنوع في أن البيئة
ذاتها لا تبقى ثابتة أبداً؛ فالمناخ يتغير والبيئة تتغير، وتتطور الكائنات
المفترسة والفرائس جنباً إلى جنب، وتظهر الأمراض والطفيليات وتتأرجح إمدادات
الغذاء صعوداً وهبوطاً، ويظهر منافسون جدد، وتتبدل معالم الطبيعة. لذا، فإن التطور
ليس مجرد تكيف للكائنات مع خلفية ثابتة، بل هو حوار مستمر بين كائنات متغيرة وعالم
متغير. وهذا يقودنا إلى درس أوسع: البقاء لا يعتمد على الملاءمة التامة لظروف
اليوم، بل على القدرة على مواكبة ظروف الغد.
ويمكن استخلاص دروس من هذه الفكرة تتجاوز نطاق
علم الأحياء؛ إذ يجري حالياً توظيفها ببراعة في مجال التعلم الآلي (الذكاء
الاصطناعي) لابتكار واختبار كل شيء افتراضياً، بدءاً من العقاقير الجديدة ووصولاً
إلى الأسلحة الحديثة. وبالنسبة للمجتمع، يمكننا استخلاص دروس إيجابية من هذا
الأمر؛ فالمجتمعات البشرية تطور أفكاراً جديدة تشبه الجينات والطفرات المستحدثة.
وتُعرف هذه الأفكار أحياناً باسم "الميمات" (memes)،
وهي قابلة للانتشار إذا أثبتت فائدتها في ظروف معينة؛ فقد ينتشر دين جديد أو تقليد
فلسفي ما إذا كان يحقق مزايا تفوق تلك التي توفرها الأنماط السابقة. ورغم أن
التغير الاجتماعي لا يخضع لآلية الانتقاء الدارويني بالمعنى الحرفي، إلا أن مبادئ
التغيير تظل سارية؛ فالمجتمعات تولد قدراً هائلاً من التنوع يتمثل في أفكار
وتقنيات ومؤسسات وأعراف ونظريات وأساليب لحل المشكلات. غير أن الأفكار التي تزدهر
هي تلك التي لا تظل أسيرة الماضي وتتوقف عن التطور؛ فالتغيير في نهاية المطاف
عملية ديناميكية وشاملة.
ما يميز البشر هو قدرتهم على خلق التنوع عن
عمد؛ إذ يمكننا تصور بدائل قبل وجودها فعلياً، وإجراء التجارب، والنقاش،
والابتكار، والنسخ، والتعديل، والتعلم من الأخطاء. فالمجتمع الذي يواجه مشكلة
جديدة يمكنه توليد آلاف الاستجابات المحتملة، ثم تحديد أيها يثبت نجاعته عملياً من
خلال التجربة والخطأ والنقاش العام. ولننظر إلى القرون القليلة الماضية: لقد أعادت
الثورة الزراعية -التي شهدتها منطقة الهلال الخصيب قبل 12 ألف عام- تشكيل أنماط
الاستيطان وإنتاج الغذاء. وفي المقابل، عانت أوروبا لقرون من الجمود العقائدي
الديني الذي تسبب في بؤس هائل، وكان التخلص من هذا الجمود وتبني نماذج فكرية جديدة
(عصر النهضة) خطوة تقدمية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. كما شهد العالم الإسلامي
عصراً ذهبياً أُتيحت فيه الفرصة لتيارات فكرية متنوعة وشُجعت، مما أدى إلى تقدم
العلوم بدءاً من الجبر (وهي كلمة عربية نقلت الى اللاتينية Algebra)
ووصولاً إلى علم الفلك، وازدهرت مستويات المعيشة. كذلك، أحدثت المطبعة تحولاً
جذرياً في طرق انتشار المعرفة، وأعاد التصنيع صياغة طبيعة العمل ووسائل النقل
والحياة في المدن. لقد قلصت تكنولوجيا الاتصالات المسافات، بينما أعادت الحواسيب
والإنترنت صياغة طرق تبادلنا للمعلومات. والآن، تقوم كل من الذكاء الاصطناعي،
والتكنولوجيا الحيوية، والروبوتات، والطاقة المتجددة بالأمر ذاته مجدداً، إذ تغير
البيئة التي يتعين على الأفراد والمؤسسات العمل في ظلها. إن أياً من اختراعاتنا أو
أفكارنا ليس جيداً أو سيئاً في حد ذاته، أو صالحاً أو طالحاً في كل الظروف؛ فهي
تعمل بفعالية ضمن بيئة (أو منظومة) معينة، لكنها قد تصبح ضارة إذا ما تغيرت تلك
البيئة. ولهذا السبب، فإن التغيير سُنة ثابتة؛ فالجهات التي تطور أفكاراً (قد تكون
جيدة في حينها) قد تعاني حينما تكف تلك الأفكار عن خدمة بيئه تغيرت. وهذا هو السبب
في أن التشدد الديني قد يفضي في النهاية إلى ارتكاب فظائع، وهو أيضاً السبب في أن
الصهيونية لا تتسبب في إبادة جماعية فحسب، بل في انتحار جماعي أيضاً؛ إذ أنها
تتمسك بنماذج فكرية في عالم قد تغير وتبدل.
في كل مرة تصطدم العادات القديمة بظروف جديدة بعض
المؤسسات تتكيف، بينما تتمسك أخرى بمواقفها. وتصبح الأفكار التي بدت يوماً ما
جذريةً وأموراً عادية تفشل. وهنا تبرز قيمة الاستعارة البيولوجية: فالبيئة سريعة
التغير تكافئ التنوع والتجريب. وعندما تتسارع وتيرة الأحداث بينما تظل المؤسسات
والمجتمعات والأفراد ثابتة، تكون النتيجة الحتمية هي الزوال؟ الإنقراض. قد تتعلق
المؤسسات والأفراد الذين حققوا نجاحات سابقة بالعادات التي أدت إلى ذلك النجاح؛
وهو أمر مفهوم، لكنه لا يخلو من المخاطر ومن حتمية التغير. فعندما ينجح أسلوب ما
مراراً وتكراراً في الماضي، يبدأ الناس في افتراض أنه سينجح دائماً. وتتحول
القواعد إلى تقاليد، والتقاليد إلى أعراف، والأعراف إلى افتراضات، لتُعامل هذه
الافتراضات في النهاية كحقائق لا تقبل النقاش. غير أن البيئة ليست ملزمة بهذا.
يتطلب التكيف توفراً مستمراً للبدائل؛ فالمجتمعات
بحاجة إلى أشخاص يطرحون أسئلة مختلفة، ويقترحون حلولاً غير مألوفة، ويختبرون
مقاربات جديدة – ليس بالضرورة عن طريق نبذ المعرفة القائمة، بل باتخاذها أساساً للتغيير
بدلاً من اعتبارها سياجاً يُحبس المرء داخله. ولهذا السبب تحديداً يكتسب التنوع
أهمية فكرية واجتماعية، وليس بيولوجية فحسب. فالمجتمع الذي يفكر فيه الجميع
بالطريقة نفسها يحقق حالة من الامتثال، لكن هذا الامتثال يقلص نطاق الاستجابات
المتاحة عند حدوث التغيرات -وهي حتمية الوقوع دائماً- بينما يوسع التنوع الفكري
ذلك النطاق. قد تفشل بعض الأفكار الجديدة، وتلك هي طبيعة الأمور؛ لكن الأهم هو ما
إذا كنا نتعلم من تلك الإخفاقات.
ثمة حدود للمقارنة بين الطبيعة والمجتمع
البشري؛ فآلية الانتقاء تعمل لدينا بشكل مختلف عما هي عليه في الطبيعة. إذ يمكننا
تقييم الأفكار بوعي، بل واختبارها نظرياً، دون تكبد ثمن الموت أو انعدام التكاثر كما
يحدث في الطبيعة. يمكننا دراسة ما إذا كانت فكرة ما (أو "ميم" فكري)
ستحسن فعلياً حياة الناس في ظل الظروف الراهنة، كما يمكننا طرح واختبار فرضيات
عديدة ثم اتخاذ قرار واعٍ بتطبيقها. وتلك ميزة حقيقية؛ إنها قوة المعرفة.
فالمجتمعات الأكثر قدرة على التكيف ليست بالضرورة الأغنى أو الأقدم، بل هي تلك
التي تتعلم بسرعة، وتجرب بحرية، وتعترف بأخطائها، وتغير مسارها عندما تشير الأدلة
إلى ضرورة ذلك. وينطبق الأمر ذاته على الأفراد؛ فمن يتعامل مع هويته أو معارفه أو
رؤيته للعالم باعتبارها أموراً ثابتة ونهائية، يصبح هشاً وعرضة للخطر بمجرد تغير
الظروف. ينبغي توجيه التعليم نحو بناء القدرة على طرح أسئلة جديدة وإعادة النظر في
الأسئلة القديمة، مع البقاء على وعيٍ وتناغمٍ مع عالمٍ دائم التغير. لقد كتب لي
جدي هذه الكلمات حين كنت في السابعة عشرة من عمري: "العالم يتغير... لذا
تخلَّ عن القيود الذهنية التي فرضها المجتمع والدين على عقلك، وتقبَّل هذا
التغيير".
لا يعني أيٌّ من هذا التخلي عن المبادئ
الجوهرية. تتمحور المبادئ الأساسية حول "القاعدة الذهبية": ألا تلحق
الضرر بالآخرين، وأن تعاملهم كما تحب أن تُعامَل. يمكن للمرء أن يظل متمسكاً بقيم
العدالة أو الكرامة أو البحث العلمي، مع إعادة النظر تماماً في كيفية تجسيد هذا
الالتزام في ظل ظروف جديدة؛ فأحياناً، يتطلب الوفاء بمبدأ ما التخلي عن ممارسة
قديمة. وتكتسب هذه المسألة أهمية بالغة في الوقت الراهن، إذ يعيد الذكاء الاصطناعي
تشكيل مفاهيم الخبرة والتعليم والبحث والعمل ذاتها. ولا تكمن الاستجابة السليمة في
الدفاع عن كل أسلوب قديم لمجرد أنه مألوف، ولا في تبني كل أداة جديدة لمجرد أنها
حديثة؛ بل تكمن في التجربة والتقييم، والاحتفاظ بما يجدي نفعاً والتخلي عما لا
طائل منه، مع مواصلة المسيرة والتغيير.
ينطوي كل هذا على قدر من التواضع الفكري؛ فلا
يوجد كائن حي يمتلك معرفة كاملة بالبيئة التي يتجه نحوها، ولا يمكن لأي فرد أو
مجتمع أن يجزم أي الأفكار ستصمد وتثبت صحتها بعد عقود من الآن. لذا، فإن الرد
الحكيم على حالة عدم اليقين هذه ليس ادعاء اليقين الزائف، بل الحفاظ على القدرة
الدائمة على التعلم. فأن تكون "تقدمياً" -بهذا المعنى- لا يعني الالتزام
بقائمة ثابتة من المواقف، بل يعني الاستعداد لمراجعة الآراء وتعديلها كلما تغيرت
الأدلة. كما أن "النزعة الجذرية" قد تعني ببساطة العودة إلى جذور
المشكلة وإعادة طرح تساؤلات توقف الآخرون عن طرحها. أما "المرونة وسرعة
التكيف"، فتعني البقاء مرناً بما يكفي لإجراء التغيير قبل أن تفرض الظروف ذلك
قسراً.
يتلخص أعمق دروس التطور في كلمتين: التباين والانتقاء. ففي حين تولّد الطبيعة (البيولوجيا) تبايناً وتترك للبيئة مهمة فرز هذا التباين، تولّد الثقافة نطاقاً أوسع بكثير من الاحتمالات بفضل الإبداع البشري والمعرفة والتواصل، وتعمل المجتمعات على اختبار هذه الاحتمالات ومقارنتها بالتجارب والأدلة الواقعية. يُفسح المجتمع السليم المجال للأفكار الجديدة؛ فهو يتقبل التجربة، ويحمي حرية البحث، ويسمح بالاختلاف في الرأي، ويتيح التخلي عن الأساليب غير الناجحة دون فقدان الرغبة في المحاولة من جديد. وهو مجتمع لا يخلط بين الاستقرار والجمود، ولا بين التقاليد والحقيقة.
يشهد العالم تغيرات متسارعة تفوق ما كان عليه
الحال في الماضي، وذلك على كافة الأصعدة تقريباً؛ إذ يمكن للتحولات التكنولوجية أن
تعيد تشكيل المشهد الاجتماعي في غضون جيل واحد، أو حتى في غضون بضع سنوات. وتتمثل
أكبر المخاطر في ظل هذه الظروف في افتراض أن ما نجح في الماضي سيستمر في تحقيق
النجاح مستقبلاً. ويتمثل مصدر قلقي الأكبر في احتمالية أن تؤدي قضايا مثل التغير
المناخي أو الحرب النووية إلى القضاء على الحضارة البشرية، نتيجة لفشلنا الجماعي
في تغيير مسارنا في الوقت المناسب. وهنا يبرز عامل الوقت كعنصر حاسم؛ إذ قد ينقرض
نوع ما... ...حتى وإن اتسمت بالتنوع، لمجرد عدم توفر الوقت الكافي أو عدم حدوث
تغيير متسارع بالقدر الذي يُحدث فارقاً جوهرياً.
تكافئ الطبيعة التنوع والاستجابة والقدرة على التكيف، سواء لدى الأفراد أو المجتمعات. وتتطلب الوتيرة المتسارعة للتغيير من حولنا تغييراً مماثلاً في أنماط تفكيرنا؛ ونحن نمتلك اليوم الأدوات اللازمة لتحقيق ذلك أكثر من أي وقت مضى طوال تاريخ البشرية الممتد لثلاثة ملايين عام. لذا، يتحتم علينا تبني هذا التغيير.
No comments:
Post a Comment